القاضي عبد الجبار الهمذاني
462
شرح الأصول الخمسة
وهو غير مستحق للذم ، وإذا كان الذي له ولأجله لم يجز للواحد أن يصف التائب بأنه ظالم هو ما ذكرنا من إيهامه الخطأ ، وذلك مرفوع عن كلام اللّه جل ذكره ، لما قد ثبت عدله وحكمته ، لم يمتنع أن يصفه اللّه تعالى به ، إذ لا يريد به إلا المعنى الصحيح ، وجرى ذلك مجرى قوله تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى فكما أنه جاز له إجراء لفظ العاصي على آدم لثبوت حكمته جل وعز ، لأنه لم يرد به إلا المعنى الصحيح دون الفاسد ، ولم يجز لنا ذلك لما لم تثبت حكمتنا ، كذلك هاهنا ، فهذا تمام القول في هذه الآية . وأجد ما يتعلقون به قوله تعالى : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) والفاسق لم يكذب ولم يتول ، فيجب أن لا يعذب على الحد الذي نقول . وجوابنا عن ذلك ، لا تعلق لكم بظاهر هذه الآية ، لأن ظاهر الآية يقتضي أن لا يعذب بالنار قطعا وأنتم لا تقطعون بذلك ، وعلى أن في الكفر ما لا يكون تكذيبا نحو الزنا بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ونحو الاستخفاف به بالشتم أو الضرب أو غير ذلك ، فيجب في الكافر الذي هذا سبيله أن لا يصلى النار ، وقد عرف خلافه . وأيضا ، فإن قوله تعالى : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) نكرة ، فأكثر ما فيه أن لا يصلى تلك النار إلا الأشقياء الذين يكذبون ، فمن أين أنه لا يجوز أن يصلى الفاسق بغيرها من النيران ، فبطل ما ذكرتموه ، وعلى أن ظاهر الآية يقتضي الإغراء ، لأن الفاسق متى اعتقد وعلم أنه وإن أتى بكل فاحشة وبلغ في الفسق كل مبلغ لا يصلى بالنار ، كان مغرى على القبيح ومحرضا عليه ، وذلك لا يجوز على اللّه تعالى . فإن قيل : إن الإغراء يزول بالخوف من أن يعاقبه في الموقف بالتعطيش وغيره من أنواع العقوبات ، قلنا : إن هذا خرق الإجماع ، لأن الأمة اتفقت على أن من استحق العقوبة إذا لم يعاقبه اللّه تعالى بالنار في دار الآخرة لا يعاقبه خارج النار . وعلى أن شيخنا أبا الهذيل ، ذكر أن الآية تتناول الكافر والفاسق جميعا ، لأن قوله : « تَوَلَّى » يجوز أن يكون المراد به الفاسق ، غير أن هذا الكلام يضعف من طريق العربية . ومما يتمسكون به قوله تعالى : وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ قالوا : إن الآية تدل على أن الذي يجب أن يكون آيسا من روح اللّه إنما هو الكافر دون الفاسق .